قبل زحمة الصيف.. كيف تفهم رموز أفلام محمد خان؟!


“الماء يغلى فى الوعاء فوق البوتاجاز.. صفار البيض يتفتت مع إيقاع ملعقة خشبية فى يدها.. قطع اللحم البتلو تسترخى تحت طرقاتها قبل أن تغوص فى صفار البيض، مثل راقص باليه الماء لتستقر فى لحظة على كل جانب فوق رمال من البقسماط، حتى ترتمى فى أحضان الزيت الساخن لتتحول إلى قطع من الذهب الطرى.”

بهذه الكلمات نصاً كتب محمد خان المخرج المصري الشهير المشهد الأول من فيلمه الذى لم يري النور حتي اليوم (نسمة فى مهب الريح).. فيما يبدو النص حسياً مليئاً بالطعام، يبدو لمن يتابع أعمال محمد خان جيداً أنه مجرد سطر جديد فى شفرة طويلة يمدها (خان) فى أعماله واحداً تلو الاخر لا تلحظها سوي عين خبيرة.

لا يعد الطعام مجرد معادل حسي فحسب لدي محمد خان، بل إن خان يستخدم الطعام لإيصال رسائل معينة لمشاهديه، فى شفرة نحاول معكم اليوم فك سطورها وكشف بعض أسرارها، تزامناً مع عرض فيلم (قبل زحمة الصيف) فى السينمات المصرية، بعد عرض خاص ناجح إنتزع صيحات الإعجاب من جميع حضوره.

فى واحد من أشهر أفلام محمد خان (زوجة رجل مهم) تُركز كاميرا خان على طعام ميرفت أمين.. وكيف كان نيئاً صعب التناول… كانت مني توجه طعناتها لقطعة  اللحم بينما لا يتوقف أحمد زكي عن الحديث… وكان المشهد كله رمزاً لوصول العلاقة بينها وبين زوجها لمفترق طرق لا يمكن السكوت عنه… قطعة اللحم النيئة كانت فى الحقيقة الزواج الخدعة الذى وقعت فيه مني عندما صدقت أن زوجها قد يكون رجلاً صالحاً فى أحد  الأيام.

فى فيلمه الأحدث (قبل زحمة الصيف) يحتل الطعام نصيباً كبيراً من الأحداث، ينوي الطبيب يحيي أن يدعو جارته (هاله) على العشاء على الرغم من غيرة زوجته ماجده.. تصحبنا كاميرا محمد خان بداية من عملية شراء الأسماك مروراً بالتنظيف والتقطيع والطهي وانتهاء بمائدة العشاء الفخمة التى ستكون شرارة المشهد الأفضل فى الفيلم بعد ذلك بدقائق… وكأن جلوس الأبطال على مائدة العشاء كجلوس المسيح حول حوارييه فى لوحة العشاء الأخير. وهذا يعد تغيراً واضحاً ومتميزاً فى رمزية أعمال محمد خان.

فى فيلم (فتاة المصنع) يحتفى محمد خان بالطعام واصنافه… يحتل الطعام معادلاً بصرياً ومادياً تماماً كواحد من أبطال الفيلم.. بل أن الطعام يقدم العديد من الحلول على مستوي السيناريو والإخراج.. ففى أحداث الفيلم يصاب هاني عادل بوعكة صحية نتيجة مبالغته فى تناول الطعام، وتتعلل هيام زميلته فى العمل بتوصيل الطعام له لتتمكن من مقابلته.

ولا يمكن الحديث عن شفرات الطعام فى أفلام محمد خان دون الحديث عن الفيلم الاشهر (خرج ولم يعد) وهو فيلم قائم على المشاهد القريبة لتناول الطعام وإعداده، خاصة طبق البيض الذى يشتهر محمد خان بحبه فى ابراز مشاهد طهيه وتناوله، ومشاهد الطعام فى (خرج ولم يعد) تعبر فى بعضها عن الأنانية والرغبة فى الإستحواذ، وفى بعضها الأخر عن الراحة التى انتابت البطل (يحيي الفخراني) عندما جرب حياة الريف بعيدا عن تعقيدات المدينة، وهى التيمة التى يتبناها خان فى العديد من أفلامه ولعل أشهرها (مستر كاراتيه) والتى يحكي فيه عن قصة أحد الريفيين البسطاء (أحمد زكي) ورغبته فى السفر والعمل فى القاهرة العاصمة، التى تدهسه وتدهس أحلامه البسيطه.

أما عن (قبل زحمة الصيف) فيتصف الفيلم بالإضافة لتغيير رموز الطعام عند خان، الى تغيير تعبير خان عن فكرة الهروب، فبدلا من الهروب من المدينة للريف، أصبح الهروب من المدينة للبحر.. للساحل الغير محدود.. او حتي الهروب داخل النفس وهو ما تقوم به زوجة الطبيب الشهير عندما تهرب من مشاكلها مع السمنة ومع زوجها بممارسة اليوجا والتأمل، ومحاولة الإنطواء على نفسها للرمق الأخير.

أخر ما نختتم به حديثنا عن أحدث افلام محمد خان، هى ملاحظتنا عدم إنتصاره للمهمشين والفقراء، فالمستوي المادي والإجتماعي لأبطال فيلمه (قبل زحمة الصيف) تختلف إختلافاً كبيراً عن باقى أبطال أعماله، وفيما يبدو أن خان قد قرر إستكشاف فئات جديدة من الناس فى مصر، ومحاولة سبر أغوارهم وحكي قصصهم.


محمد حمدي

محمد حمدي

محمد حمدي صانع محتوى مصري. يكتب في العديد من المؤسسات الصحفية والمواقع والمجلات الالكترونية. بالاضافة لعمله على إثراء المحتوى العربي على الأنترنت من خلال صناعة محتوى هادف وبناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.