حكاية عبد الصمد الذي فقد رأسه ظلما!


لا أعلم إن كانت أمك قد غنت لك هذه الأغنية أم لا. لكن عندما كنت صغيراً كانت أمي تغني لي أغنية من الفولكلور المصري كان عنوانها ” حميده ولدت ولد “، وكان مقطع منها يقول:

حميده ولدت ولد

سمته عبد الصمد

مشته على المشايه

خطفت راسه الحدايه

وللأسف كانت الأغنية تتوقف عند هذا المقطع. فلا أعلم من هي حميده، ومن هو عبد الصمد. ولماذا خطفت رأسه (الحدايه)؟ والغريب في الأمر أن الفولكلور لا يتركنا في الغالب أمام كل هذه الأسئلة الوجودية عندما يتعلق الأمر بالأغاني. فكل فعل له رد فعل مساوي له في القوة وإن كان مضاد له في الاتجاه.

فمثلا هناك الأغنية التي تقول:

عارف الواد اللي اسمه عادل جه الدكتور وعمل له ايه؟

لقى رجليه بقوا زي الفتلة بص شويه جوا عنيه

قام مديله حقنه كبيره. عارف اداله الحقنه ليه؟

مابيشربش اللبن الصبح وكل صحابه ضحكوا عليه.

هنا تحكي القصة تسلسلا طبيعيا منطقيا مفهوما. هناك عادل. وهو مصاب بفقر الدم على ما أعتقد. وتم استدعاء الطبيب له. والذي قرر بعد فحص أن يعطيه حقنه مؤلمة. لأنه امتنع عن شرب اللبن. وهناك طلاب أوغاد متنمرين ضحكوا عليه ولا أعلم كيف عرفوا بأمر الحقنة التي أخذها بالتأكيد في المنزل أو الصيدلية أو المستشفي ولم يأخذها أمام أصدقاءه!

لكن على كل حال هذه قصة مترابطة مفهومة. يجب أن تتناول اللبن بالكامل وإلا ستلقى مصير عادل الأسود من الحقن والتنمر و (البهدلة) في كل مكان.

هناك أيضا قصة لشخص مجهول الإسم حكاها حسين السيد ولحنها وغناها العبقري محمد فوزي عام ١٩٥٥ كان مطلعها يقول:

شاف القطة قالها بسبس قالت له نونو

ماما قالت له سيب القطة خليها فى حالها

ساب مدرسته ورمى كراسته وراح جر شكلها

راحت القطة مخربشة ايده لما مسك ديلها

وادى جزاة اللى مايسمعش كلمة ماما تقولها

هنا نرى أيضا قصة مترابطة. هناك طالب مدرسي أيضا ترك المدرسة وطارد قطة ضالة وأعلن احتجاجه على العملية التعليمية بالقاء الكراسة أيضا والتهرب من المدرسة. وكان العقاب أن (خربشته) القطة. ولا تتركنا الأغنية قبل أن تحشر الهدف حشرا في عقولنا دون فرصة لاستكشافه بأنفسنا فتقول أن “أدي جزاة اللي مايسمعش كلمة ماما تقولها”

نعود لحميده وعبد الصمد…

هذه قصة مقنطعه من سياقها. وكان لابد أن أبحث عن أصل القصة. فما هي كلمات الأغنية كاملة؟

هوه هوه هوه
هوه هوه هم هوه
واحد اتنين سرجي مرجي
انت حكيم ولا تمرجي
انا حكيم الصحية
العيان أديله حقنة
والمسكيبن أديله لقمة
حج حجيجه بيت الله
والعكبة ورسول الله
بدي أزورك يا نبي
يلي بلادك بعيدة
فيها أحمد وحميدة
حميدة ولدت ولد
سميته عبد الصمد
مشيته ع المشايه
خطفت رجله الحداية
حد يا حد يا بوز القرد
إنت ولد ولا بنت
أنا ولد زي القرد
حج حجيجه ياحجه
والكعبة ورسول الله
حلفت أمك يا جمل
ما تسقيك إلا اللبن
والعين الجمل.. الرايبة
هوه هوه واحد اتنين سرجي مرجي
انت حكيم ولا تمرجي
انا حكيم الصحية
العيان أديله حقنة
والمسكيبن أديله لقمة
حج حجيجه يا حجه

هذا هو النص الكامل حسب موفع متخصص في أغاني الهدهدات حول العالم ومن جديد لم أشعر أن هناك أي عدالة في هذه القصة. عبد الصمد لم يرتكب أي جرم. لم يتهرب من التعليم ولم يمتنع عن تناول الطعام أو التعرض لأمه (حميده)، التي لم ترتكب هي الأخرى أي مشكلة تستدعي أن تفقد إبنها بهذه الميتة البشعة. حتى أنها لم تلد بنت لتستحق كل هذا. ونحن نعلم عاقبة من تلد فتاة حيث تقول الأغنية القديمة أيضا:

لما قالولى دة ولد انشد ضهرى واتسند
لما قالولى دة غلام انشد ضهرى واستقام
وكلونى البيض مقشر وعلية السمن عام

ولما قالولى بنية الحيطان مالت علية
وكلونى البيض بقشرة وبدال السمن مية

ما تفرحيش يام الولد بكرة مراتة تاخدة وتحرمك من جنية واللى يجيبة تاخدة

يجيب المشمش فى كمة ويحود بية عن اودة امة

خلية ولو يطلع قاسى ويضربنى ويفلق راسى
ويكب طبيخة فى الحارة ويقول دة فى امى خسارة

ولما قالوا دى بنية قلت الحبيبة جاية تكنس لى وتفرشلى وتسخن لى المية وتخدمنى

والحقيقة أن هذه الأغنية تلخص كيفية التعامل مع من أنجبت الفتاة. لكنها لا تحرمنا في النهاية من أن تتركنا مع عظة أخيرة.. الفتاة تراعي أهلها أكثر من الإبن الذكر. طبعا لا يمكن أن نعمم هذه الأمور على الجميع لكن هذه الأغاني تقدم ما يشبه النصيحة المرتبطة بزمانها.

لكن عبد الصمد كان ذكر! لماذا تخطف رأسه الحدايه؟!

وإن كنت لا أعلم القصة بالضبط. وبائت محاولاتي للبحث عن أصول القصة بالفشل. كان أدعى أن أبحث عن باقي معاني الأغنية الغريبة.

وحسب كتاب (خارج السياق) للكاتب (أحمد مجاهد) والذي نقلت عنه الصديقة والزميلة وئام مختار تفسير الأغنية في مقالها :

السَّرجي هو السركي، وهي مهنة أدخلها الشراكسة إلى مصر لتسجيل بيانات العاملين في المروج، أي البساتين، فكان العمال يقفون في طابور طويل أمام الإقطاعي الشركسي الذي يقول للخولي: «واحد اتنين»، فيرد عليه الخولي: «سَرجي»، أي تم تسجيلهما في السركي، فيشير له برأسه بالموافقة، فيقول الخولي للعمال على نفس الوزن: «مَرجي»، أي ادخلوا إلى المزرعة للعمل.

استعمل المصريون بعد هذا عبارة «واحد اتنين سَرجي مَرجي» للسخرية من الطوابير الطويلة التي يسجلون فيها بياناتهم، ثم تلقَّفها فقراء الأطفال المسيحيين وأصبحوا يقولونها وهم يأخذون معونات صحية واجتماعية من أدوية وملابس من الكنائس، حين يقفون في طوابير تسجيل طويلة أيضًا.

أكمل الأطفال المسيحيين الأغنية «إنتا حكيم ولا تُمَرجي؟»، على أن كلمة سرجي صارت تشير في تفسيرهم إلى القديس «أبو سِرجة سرجيوس»، ومرجي إلى القديس «ماري جرجس» أو «مارجرجس»، وما يعتقدون أنهما يقدمانه من خدمات علاجية وإنسانية. وعندما اشترك الأطفال المسلمون مع المسيحيين في اللعب والغناء، أضافوا إلى الأغنية مقطعًا جديدًا: «نفسي أزورك يا نبي».

أما أخر أسئلتي.. لماذا كانت اغنية حميده ولدت ولد تغنيها لنا الأمهات ويلاعبنا بها الأباء؟! لماذا يُكرر على مسامعنا قصة حميده التي خلفت ولد، وعندما صار طفلا جميلا يمشي على المشاية خطفت رأسه الحداية دون داعي ودون سابق إنذار. وكيف نشأ جيل كامل على هذه الدموية غير المبررة؟!


محمد حمدي

محمد حمدي

محمد حمدي صانع محتوى مصري. يكتب في العديد من المؤسسات الصحفية والمواقع والمجلات الالكترونية. بالاضافة لعمله على إثراء المحتوى العربي على الأنترنت من خلال صناعة محتوى هادف وبناء.

لا تعليقات بعد على “حكاية عبد الصمد الذي فقد رأسه ظلما!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.